حين تنمو العلامة التجارية، من السهل أن يختصر الناس نجاحها في ما يظهر أمامهم: انتشار، حضور رقمي، عملاء أكثر، وربما توسع إلى أسواق جديدة.
لكن ما لا يظهر عادةً هو القرارات التي سبقت كل ذلك؛ القرارات التي بدت بسيطة في وقتها، أو بدت مخاطرة، أو حتى تحولت إلى أخطاء ما زالت العلامة التجارية تتعامل معها.
في حوارنا مع حسين الدقل، مالك أشهر العلامات التجارية في المدينة المنورة ومنها ساورد وكابتن شيف، حاولنا الاقتراب من هذه التفاصيل؛ من أبسط فكرة تسويقية صنعت أثرًا، إلى قرار غيّر طريقة تقديم المنتج، وصولًا إلى الأخطاء التي أعادت تشكيل طريقة التفكير في النمو.
عندما يكون الحضور في المكان الصحيح جزءًا من التسويق
عند الحديث عن أبسط فكرة تسويقية كان لها أثر واضح على المبيعات أو متوسط قيمة الطلب، لم تكن الإجابة حملة إعلانية كبيرة أو استراتيجية معقدة.
كانت ببساطة: التواجد في البيئات التي تخص القطاع، مثل الفعاليات وغيرها.
فأحيانًا لا تحتاج العلامة التجارية إلى البحث عن جمهور جديد بقدر حاجتها إلى أن تكون حاضرة في المكان الذي يوجد فيه جمهورها أصلًا.
قرار غيّر نموذج العمل
بعض القرارات لا تضيف منتجًا جديدًا أو فرعًا جديدًا، لكنها تغيّر طريقة وصول المنتج إلى العميل بالكامل. ومن أبرز نقاط التحول في تجربة ساورد وكابتن شيف كان قرار تحويل المطعم من نموذج الـDine-in إلى وجبات معبأة في ثلاجة.
هذا التغيير لم يكن مجرد تعديل في طريقة تقديم المنتج، بل نقل تجربة الشراء إلى نموذج مختلف، وأتاح للعميل الحصول على الوجبة دون ارتباطها بتجربة الجلوس داخل المطعم.
وفي رحلة العلامة التجارية نحو النمو، قد يكون تغيير نموذج العمل أكثر تأثيرًا من إضافة فرع جديد؛ لأنه يفتح طريقة مختلفة يمكن من خلالها الوصول إلى العميل والتوسع.
لو عاد إلى البداية، ماذا كان سيغيّر؟
عندما سألنا حسين عما كان سيفعله بشكل مختلف لو عاد إلى بداية المشروع، لم تكن إجابته قائمة طويلة من القرارات التي يندم عليها.
فمن وجهة نظره، كل ما حدث حصل في وقته المناسب.. لكن هناك أمرًا كان سيفعله في وقت أبكر: وهو فتح المجال أمام المستثمرين، إلى جانب التخلي عن الشعور بالتملك الكامل باعتباره مالك العلامة التجارية.
كما يرى أنه كان من الأفضل أن يعيّن أشخاصًا أفضل وأخبر منه في مجال الأعمال. وهذه النقطة تحديدًا تكشف جانبًا مهمًا من مراحل النمو؛ فامتلاك العلامة التجارية لا يعني بالضرورة أن يكون المالك هو الشخص الأفضل لاتخاذ كل قرار فيها.
ومع توسع المشروع، تتغير الحاجة من شخص يدير كل التفاصيل إلى فريق يمتلك خبرات مختلفة، ويستطيع أن يدفع العلامة التجارية إلى مرحلة جديدة.
أكبر غلطة تسويقية؟ الخصومات
بالنسبة لحسين، كانت الخصومات الدورية أكبر غلطة تسويقية، والمثير للاهتمام أنها ليست درسًا انتهى في الماضي؛ فهي ما زالت موجودة، مع البحث عن آلية أفضل للتخلص منها.
الخصم قد يكون وسيلة سريعة لتحفيز الشراء، لكن الاعتماد عليه بشكل متكرر يطرح سؤالًا أهم: هل يشتري العميل المنتج لقيمته، أم لأنه ينتظر السعر المخفض؟
وهنا تصبح معالجة أثر الخصومات جزءًا من بناء العلامة التجارية نفسها، وليس مجرد قرار تسويقي مؤقت.
من أين يأتي العملاء؟
عند الحديث عن القنوات التي جلبت عملاء فعليين، جاءت التعاونات مع المؤثرين في المقدمة، ثم إنستقرام وسناب شات، إلى جانب وجود خدمة عملاء داخلية للعلامة التجارية.
لكن اللافت هنا أن اكتساب العميل لا ينتهي عند القناة التي أوصلته إلى العلامة التجارية. قد يبدأ التعرف على العلامة التجارية من مؤثر أو منصة اجتماعية، لكن التجربة التي يحصل عليها بعد ذلك هي التي تحدد ما إذا كان هذا الوصول سيتحول إلى عملية شراء وعلاقة مستمرة.
التوسع لا يعني دائمًا الخروج
وعندما سألناه عن النصيحة التي يقدمها لمالك علامة تجارية في المدينة المنورة يطمح إلى الوصول إلى مختلف مناطق المملكة، جاءت الإجابة مختصرة ومباشرة:
«لا تخرج من المنطقة الغربية.»
قد تبدو النصيحة متناقضة مع فكرة التوسع، لكنها تفتح سؤالًا أوسع: هل التوسع يعني فعلًا الانتشار في أكبر عدد ممكن من المناطق؟
أحيانًا يكون بناء حضور قوي في السوق الذي بدأت منه، وفهمه بصورة أعمق، وتطوير نموذج قادر على التكرار، أهم من التوسع السريع لمجرد التوسع.
والسؤال الذي بقي مفتوحًا..
ما الشيء الذي كان الناس يعتقدون أنه سبب نجاح ساورد وكابتن شيف، بينما كان السبب الحقيقي مختلفًا تمامًا؟
وربما هذا هو الجزء الذي يستحق أن يبقى مفتوحًا؛ لأن الجمهور يرى نتيجة النجاح، لكنه لا يرى بالضرورة القرارات والتجارب التي صنعتها.
