في سوق المطاعم والمقاهي بالمدينة المنورة، يمكن ملاحظة نمط يتكرر مع كثير من الافتتاحات الجديدة: اهتمام مرتفع في البداية، حركة قوية، انتشار سريع، ثم انخفاض تدريجي في عدد الزيارات.
المشهد قد يبدو بسيطًا، لكنه من زاوية تسويقية يحمل سؤالًا أهم: هل انخفاض الحركة يعني أن المشروع فقد نجاحه، أم أن السوق انتقل إلى مرحلة مختلفة من الطلب؟
الافتتاح الجديد يستفيد من ميزة لا تحتاج العلامة إلى بنائها: الفضول.
وجود مكان جديد في السوق بحد ذاته سبب كافٍ لدى شريحة من المستهلكين للزيارة. يضاف إلى ذلك تأثير الأصدقاء، المحتوى الذي ينتشر في وسائل التواصل الاجتماعي، وتجربة الآخرين. في هذه المرحلة، قد تحصل العلامة على عدد كبير من الزيارات دون أن تكون قد بنت علاقة حقيقية مع العميل بعد.
وهنا تظهر أهمية التمييز بين نوعين من الطلب: طلب التجربة، وطلب التكرار.
الأول يمكن أن تصنعه الحملة الافتتاحية، والمحتوى، والضجة حول المكان. أما الثاني فلا يمكن الاعتماد فيه عليه؛ لأنه يتشكل عندما يجد العميل قيمة تجعله يختار المكان مرة أخرى.
وهذه هي النقطة التي يبدأ عندها أداء كثير من المشاريع بالاختلاف.
عندما تنتهي موجة الافتتاح، لا يعود السؤال: (هل الناس تعرفني؟) بل يصبح: (ليش الناس ترجع تختارني؟)
إذا كان المنتج هو السبب، فلابد أن تكون التجربة متسقة بما يكفي ليعود العميل إليه. وإذا كانت التجربة هي السبب، فلا بد أن تكون قابلة للتكرار وليست مجرد انطباع جيد في الزيارة الأولى. وإذا كان الموقع أو السعر عنصرًا أساسيًا، فهذان عاملان يمكن أن يصنعا تكرارًا مستقرًا، لكن في الوقت نفسه قد يضع العلامة في منافسة مباشرة مع خيارات كثيرة مشابهة.
لذلك، لا يمكن قراءة هدوء المكان من خلال عدد الزوار فقط.
هناك فرق بين انخفاض مؤقت بعد انتهاء مرحلة التجربة، وبين عدم وجود قاعدة عملاء تعوّض هذا الانخفاض. الأول قد يكون انتقالًا طبيعيًا من مرحلة الإطلاق إلى مرحلة الاستقرار. أما الثاني فيكشف أن الطلب كان مرتبطًا بالضجة أكثر من ارتباطه بقيمة العلامة نفسها.
ومن هنا تصبح أرقام الافتتاح وحدها مضللة أحيانًا.
قد يحقق المكان إقبالًا كبيرًا خلال شهره الأول، لكنه لا يعرف كم من هؤلاء العملاء عادوا مرة ثانية. وقد يكون مكان آخر أقل ازدحامًا، لكنه يحقق معدل تكرار أعلى ويحافظ على قاعدة عملاء ثابتة. في الحالتين، الصورة التي نراها في الواجهة مختلفة، لكن القيمة التجارية قد تكون معكوسة تمامًا.
وهذا يقود إلى نقطة أخرى في سوق المدينة: المنافسة لا تتوقف عند كثرة الخيارات، بل تتعلق بتغيّرها المستمر.
كل افتتاح جديد يعيد توزيع جزء من انتباه المستهلك. العميل الذي كان يزور مكانًا بشكل متكرر قد يذهب لتجربة الجديد، ليس بالضرورة لأنه لم يعد راضيًا عن المكان السابق، وإنما لأن تكلفة التجربة منخفضة والخيارات كثيرة.
إذا كانت العلامة لا تملك ما يعيد العميل إليها، فإن جزءًا من عملائها يمكن أن ينتقل ببساطة إلى التجربة التالية.
لهذا السبب، بناء الولاء لا يعني بالضرورة تقديم برنامج نقاط أو خصم دائم. الولاء في الأساس هو أن تصبح العلامة خيارًا حاضرًا في ذهن العميل عندما تتكرر الحاجة نفسها.
وهنا تختلف العلامة التي لديها عملاء عن العلامة التي لديها حركة.. الأولى تستطيع التنبؤ بجزء من الطلب، لديها أشخاص يعودون، وتعرف ما الذي يدفعهم للعودة. أما الثانية فقد تعتمد بشكل أكبر على الحملات، المواسم، المؤثرين، والافتتاحات الجديدة لصناعة الحركة من جديد.
وهذا أيضًا يفسر لماذا تستطيع بعض الأماكن الهادئة الاستمرار لسنوات. الهدوء ليس المشكلة بحد ذاتها، المشكلة هي أن يكون الهدوء نتيجة غياب الطلب، لا نتيجة استقرار الطلب عند مستوى مستدام.
ومن منظور تسويقي، ربما يكون الخطأ في السؤال الذي نستخدمه لقياس نجاح المكان.
الزحام يجيب عن سؤال: هل نجحنا في جذب الناس الآن؟
لكن المشروع يحتاج إلى إجابة مختلفة على المدى الطويل.. هل استطعنا تحويل هذا الاهتمام إلى طلب متكرر يمكن الاعتماد عليه؟
لذلك، لا يكفي أن نراقب عدد الزوار في الأسابيع الأولى، أو حجم التفاعل على وسائل التواصل. القراءة الأعمق تبدأ بعد أن يهدأ السوق قليلًا: من عاد؟ كم مرة عاد؟ ماذا يطلب؟ وما الذي يجعله يختار المكان مرة أخرى رغم وجود عشرات البدائل؟
في النهاية، مرحلة الافتتاح تختبر قدرة العلامة على لفت الانتباه، أما المرحلة التي تليها فتختبر قدرتها على بناء قيمة حقيقية في ذهن العميل.
فالزحام قد يكون نتيجة نجاح التسويق، لكن الاستقرار والاستدامة هو الاختبار الحقيقي لنجاح العلامة.
